فخر الدين الرازي
64
تفسير الرازي
عملك ! وفيه تعريض لمن يرغب الحج ، فإن الكنود هو الكفور ، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك ، كما في قوله تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت ) * إلى قوله : * ( ومن كفر ) * . القول الثاني : قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعطاء وأكثر المحققين : أنه الخيل ، وروى ذلك مرفوعاً . قال الكلبي : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى أناس من كنانة فمكث ما شاء الله أن يمكث لا يأتيه منهم خبر فتخوف عليها . فنزل جبريل عليه السلام بخبر مسيرها ، فإن جعلنا الألف واللام في : * ( والعاديات ) * للمعهود السابق كان محل القسم خيل تلك السرية ، وإن جعلناهما للجنس كان ذلك قسماً بكل خيل عدت في سبيل الله . واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المراد هو الخيل ، وذلك لأن الضبح لا يكون إلا للفرس ، واستعمال هذا اللفظ في الإبل يكون على سبيل الاستعارة ، كما استعير المشافر والحافر للإنسان ، والشفتان للمهر ، والعدول من الحقيقة إلى المجاز بغير ضرورة لا يجوز ، وأيضاً فالقدح يظهر بالحافر مالا يظهر بخف الإبل ، وكذا قوله : * ( فالمغيرات صبحاً ) * لأنه بالخيل أسهل منه بغيره ، وقد روينا أنه ورد في بعض السرايا ، وإذا كان كذلك فالأقرب أن السورة مدنية ، لأن الإذن بالقتال كان بالمدينة ، وهو الذي قاله الكلبي : إذا عرفت ذلك فههنا مسائل : المسألة الأولى : أنه تعالى إنما أقسم بالخيل لأن لها في العدو من الخصال الحميدة ما ليس لسائر الدواب ، فإنها تصلح للطلب والهرب والكر والفر ، فإذا ظننت أن النفع في الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة ، وإذا ظننت أن المصلحة في الهرب قدرت على أشد العدو ، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين ، فأقسم تعالى بفرس الغازي لما فيه من منافع الدنيا والدين ، وفيه تنبيه على أن الإنسان يجب عليه أن يمسكه لا للزينة والتفاخر ، بل لهذه المنفعة ، وقد نبه تعالى على هذا المعنى في قوله : * ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) * فأدخل لام التعليل على الركوب وما أدخله على الزينة وإنما قال : * ( صبحاً ) * لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب ، فكأنه تعالى يقول : إنه مع ضعفه لا يترك طاعتك ، فليكن العبد في طاعة مولاه أيضاً كذلك . المسألة الثانية : ذكروا في انتصاب * ( ضبحاً ) * وجوهاً أحدها : قال الزجاج : والعاديات تضبح ضبحاً وثانيها : أن يكون * ( والعاديات ) * في معنى والضابحات ، لأن الضبح يكون مع العدو ، وهو قول الفراء وثالثها : قال البصريون : التقدير : والعاديات ضابحة ، فقوله : * ( ضبحاً ) * نصب على الحال . * ( فَالمُورِيَاتِ قَدْحاً ) * . أما قوله تعالى : * ( فالموريات قدحاً ) * .